حقوق المواطنة في القرآن الكريم‏ (الجزء الثاني)

  • 23 - 06 - 2021
  • 480
الجزء الثاني


‏4- حرية الحركة والتنقل : فالإنسان بنظر القرآن حرٌ في غدوه ورواحه في ‏هذه الأرض ولا يجوز الحجر على حركته وتحديدها أو تقييدها ، لما تقتضيه ‏حياته من طلب رزقٍ أو علمٍ أو استجمام أو نشرِ دين ، قال تعالى : (( هُوَ ‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏‏)) (‏ ‏) ، وسمى الله هذا الكوكب الذي نعيش عليه بـ ( أرض الله ) في ثلاث ‏آيات من القرآن هي : النساء :97 والأعراف :73 و هود :64 ، وذلك لدفع ‏الوهم باختصاصها بأحدٍ دون أحد أو شعب دون آخر ، وأضافها إلى نفسه بقوله ‏‏: ((  يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ )) (‏ ‏) ، وحثّ ‏عباده على الحركة فيها لاستطلاعها وكشف أسرارها فقال : (( قُلْ سِيرُوا فِي ‏الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ ‏شَيْءٍ قَدِيرٌ )) (‏ ‏) ، وجعل الحركة والانتشار في الأرض أوّلَ أعمال الإنسان ‏بعد فراغه من العبادة فقال : (( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا ‏مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) (‏ ‏) ، وفي هذه الآية دلالة ‏على حرية العمل مع دلالتها على حرية الحركة . وذّم القرآن بعض الهالكين ‏لقطعهم طريق العباد ومنعهم من حرية التنقل ، ومنهم قوم لوط بقوله تعالى  : ‏‏(( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ ‏جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) (‏ ‏) وجعل ‏القرآن القتل أو تقطيع الأيدي والأرجل أو الحبس والنفي جزاءً للذين يقطعون ‏طرق المسلمين بالسلب والنهب والاعتداء ، فقد اتفق المفسرون على إن ‏المقصود بالذين ( يسعون في الأرض فسادا ) هم الذين يقطعون الطريق بالقوة ‏، وهم الذين ذكرهم الله  تعالى بقوله : (( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ‏وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ ‏وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ‏الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )) (‏ ‏) . وليس على الدولة والحكومة أن تؤمن الطرق ‏وتسهر على سلامتها فحسب ، بل يجب عليها أيضا أن تُخلص في إزالة كافة ‏العراقيل والعقبات والإجراءات التي تعترض سبيل الناس وتحدُّ من حركتهم فإن ‏في ذلك ازدهارا  للبلاد وراحةً للعباد .‏
‏ 5- حرية السكن : يكاد حب المسكن والمأوى الخاص أن يكون غريزة أصيلة ‏لدى جميع المخلوقات على هذه الأرض ، لا يشذُّ عن ذلك إلا بعض الحيوانات ‏الهائمة ، والإنسان بطبيعته يتطلع إلى بيت يكنُّه ويستريح فيه ويبني فيه عالمه ‏الخاص ، وقد قدّس القرآن هذه الرغبة المشروعة لدى الإنسان وحذّر من ‏انتهاكها فقال في نص بهيج وفريد  : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ ‏بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ ‏لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ ‏أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )) (‏ ‏)، و حرّم الله التهجير القسري وجعل ‏حرمة إخراج الناس من ديارهم موازية لحرمة قتلهم فقال مخاطبا بني إسرائيل ‏‏: (( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ ‏أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ ‏مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ ‏مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ ‏يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ ‏وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )) (‏ ‏) ، وقرر القرآن إن إخراج المسلمين الآمنين ‏من ديارهم جريمة وظلم تبيح للمظلومين الانتصار لأنفسهم وتبشر بتأييد الله لهم ‏وتعزيزهم بنصره ، فقال تعالى : ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ ‏عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا ‏اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ ‏وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ ‏عَزِيزٌ)) (‏ ‏) . وإنه لمن العجب العجاب وأنكر الكبائر أن يُقدم امرؤٌ في قلبه ‏ذرة من إيمان على تهجير إنسان عن داره أو تخريبها أو إيذائه فيها . أقول هذا ‏بعد أن ساد في هذا العالم المضطرب استخدام التهجير كإحدى وسائل الضغط ‏والحرب بين الأطراف المتصارعة للحصول على بعض المكاسب السياسية ‏حتى داخل البلد الواحد . ما يؤشر فداحة الكارثة التي تعيشها البشرية نتيجة ‏لابتعادها عن نهج السماء وروحه السمحاء .   ‏
العدالة روح الحرية وضابطها الأول : ‏

‏   مع كل هذا البريق الخلاّب الذي يتمتع به مبدأ ( الحرية ) العتيد إلا إنه يظل ‏مبدأً طائشا وغير أخلاقي وغير مقبول إذا ما أُخذ بمفرده دون الاستناد إلى ‏ضابط يجعله صالحا لأن يكون حقا مقبولا وفعالا لجميع أفراد المجتمع ، ‏وسرعان ما حدد القرآن ذلك الضابط المنشود فجعل العدل روحا للحرية وحاكما ‏عليها في آن ، فقد دافع القرآن عن الحرية بالعدل إلى الدرجة التي يصعب ‏الفصل ولو لبرهة واحدة بين المبدأين . ‏
‏   و العدل هو : ما قام في النفوس أنه مستقيم ، وهو ضد الجور ، و العدل ‏الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط ، وقد روي " بالعدل قامت السموات ‏والأرض" تنبيها على أنه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائدا على ‏الآخر أو ناقصا على مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظما  (‏ ‏). وقد ذُكر ‏العدل كثيرا في القرآن الكريم بلفظه أو بلفظ آخر مساوٍ له هو ( القسط ) و ‏تكرر أمر الله بالعدل في القرآن حتى عُدّ ( العدل ) من أسمائه تعالى ، فقد قال ‏‏: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ‏الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )) (‏ ‏)، وقال : (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي ‏الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )) (‏ ‏) ، وقد ‏تتوقف أو تسقط بعض الفروض والعبادات عن بعض المكلّفين لأعذار شرعية ‏بيّنها الفقه الإسلامي . لكن العدل لا يسقط على أيّ حال والمؤمن مطالب بالقيام ‏به دائما ، قال تعالى : (( يأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ‏وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ‏فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏خَبِيرًا )) (‏ ‏) ، إنها أمانة القيام بالقسط على إطلاقه في كل حال ، وفي كل ‏مجال ، القسط الذي يمنع البغي والظلم في الأرض ، والذي يكفل العدل بين ‏الناس، والذي يعطي كل ذي حق حقه ، من المسلمين وغير المسلمين ، وفي ‏هذا الحق يتساوى عند الله عز وجل المؤمنون وغير المؤمنين ، ويتساوى ‏الأقارب والأباعد ويتساوى الأعداء والأصدقاء ، والأغنياء والفقراء (‏ ‏) ، ولم ‏يترك القرآن مناسبة إلا وذكّر فيها بوجوب العدل ، فقد قال تعالى : (( يَا أَيُّهَا ‏الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا ‏تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )) (‏ ‏) ، ‏وقال : (( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ ‏مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ )) (‏ ‏) ، وقال : (( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا ‏بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )) (‏ ‏) ، فالعدل هو ‏ناموس هذا الوجود ، وعلى الإنسان الذي يشعر بوجوده الواقعي ويتيقن منه ، ‏أن يتيقن ويثق أيضا بأن أية حركة له مخالفة للتدبير الذي قرره الله تعالى ‏لوجوده المادي والمعنوي سيكون مجلبة للمزيد من الفساد ، وعليه أن يثق ‏بتشريع الله الذي جاء بكتابه مثلما إنه يثق بسننه الطبيعية التي تدوم بها الحياة  ‏وإلا فلا انسجام ولا تناسق ولا انتظام بين حركة الإنسان وحركة الكون ، وهو ‏ما يعني الظلم والتناقض والتصادم والفساد ، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك ‏التلازم والانتظام بين حركة الإنسان وحركة الكون بقوله تعالى : (( ظَهَرَ ‏الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ ‏يَرْجِعُونَ )) (‏ ‏) ففساد الإنسان يسري إلى بيئته ومحيطه مثلما إن صلاحه ‏يصلحهما .‏
‏  إن كفالة الحريات التي ذكرناها لا يمكن أن يتم ويستقيم دون كفالة العدالة قبلاً ‏، فحرية التملك مثلا تتحول إلى طغيان وفساد وجشع إذا أرخي لها العنان ، هذا ‏هو طبع الإنسان ، لو أعطيته نصف الأرض لطالبك بالنصف الآخر، لذا فقد ‏حدّد القرآن تلك الحرية بأن جعل إزاء الملكية الفردية ملكية جماعية لا يحق ‏لأي أحد التجاوز عليها مطلقا . في الملكية الجماعية يكون الجميع مالكا ولا ‏يختص حق الملكية بأحد دون آخر ، و فيها لا يتسنى للفرد الانتفاع بالشيء إلا ‏لكونه عضوا في الجماعة ومن أمثلة هذه الملكية :المساجد والمستشفيات العامة ‏والطرق والأنهار والبحار والمراعي والمعادن والكنوز التي تحتويها الأرض ‏وبيت المال ونحو ذلك، بل أضاف إليها الأملاك الخاصة التي درج الناس على ‏تعاورها بينهم كالنار والماء والملح وبعض الآلات التي يكون عدم إعارتها ‏قادحا في مروءة المرء ، وإلى ذلك ذهب معظم المفسرين في تفسير قوله تعالى ‏‏(( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ )) (‏ ‏) ، وبالإضافة إلى ذلك فقد نظّم الإسلام الملكية ‏الخاصة وتداولها بين الأفراد من خلال عدد من التشريعات كمنع الربا و الغش ‏و الرشوة و الاحتكار و نحو ذلك .  ‏
‏   أما حرية الاعتقاد وحق التعبير عن الرأي الذي كفله القرآن للجميع فهو لم ‏يكن مبدأً منفلتا أيضا ، فمع إنّ القرآن لم يجبر الناس على إتباع الدين ولكنه في ‏الوقت نفسه طلب منهم أن يتركوا التقليد الأعمى وأن يستعملوا عقولهم وما ‏وهبهم الله للتوصل إلى العقيدة الحقّة ، وسن القرآن لنا أدبا رفيعا للحوار انقطع ‏نظيره في غيره ، فكفل حرية الرأي حتى لأعدائه ، و القرآن الكريم يغص ‏بعشرات الأمثلة والآيات التي تعلمنا لغة الحوار الهادئ البناء التي تسمح ‏للآخرين بإبداء آرائهم بكل سماحة فقد قال تعالى : (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ‏بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ‏ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )) (‏ ‏) ، وعلّمنا القرآن أن نسلك طريقا ‏مؤدبا بعيدا عن لغة الصراخ والشتائم في حوارنا مع الآخرين بقوله : (( وَلَا ‏تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ‏عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) (‏ ‏)     ‏
الفرق بين حرية الإسلام و حرية الغرب  ‏
‏     بعد كل هذا يظهر جليا إن للحرية في الإسلام  مفهوما مغايرا من حيث ‏الجوهر والتفاصيل عن مفهوم الحرية التي  يدعو إليها الغرب أو المفتونين به  ‏، فالحرية في النظام الإسلامي منبثقة من العبودية الكاملة لله عز وجل، على ‏حين أن الحرية في النظام الديمقراطي الغربي قائمة على عبودية أخرى ، ‏عبودية الإنسان لنفسه وشهوته وغريزته وسلطته ، ولم يكن هذا الاختلاف فرزا ‏إجرائيا ناجما عن التباين في الواقع والتطبيق فحسب ، بل كان ناجما عن ‏الاختلاف في الأسس والقواعد الجوهرية بين النظامين ، وأهمها فيما أعتقد ‏الاختلاف في النظرة إلى فلسفة وجود الإنسان على هذا الكوكب ، فهي في ‏الإسلام استخلافية تكريمية مستمرة كما مرّ بنا ، وفي غيره استحواذية شهوانية ‏عابرة . ‏
‏   فحركة الإنسان في الإسلام مرتبطة بالله ، وليس دين المسلم فقط هو ما ‏يعزز علاقته بخالقه وإنما دنياه أيضا يجب أن تكون كذلك ، و الحرية في ‏النظام الديمقراطي الغربي ( هي أن الإنسان هو سيد هذا الكون وهو بالتالي ‏‏(خالق) نظمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسلوكية، وبالتالي فلا دور ‏للدين ولا لأحكامه في حياته، فالدين مفصول عن الحياة، وهو مجرد علاقة ‏وجدانية بين الإنسان والإله.  أما الحرية في الإسلام فهي مقيدة بالأحكام ‏الشرعية من أوامر ونواه إلهية. (‏ ‏)  وإذا كان الأساس الذي انبثقت عنه ‏الحرية متباينا بهذه الحدية فلا عجب أن يختلفا في التفاصيل والتطبيق . ‏

أما الذين أغرتهم بعض مظاهر التقدّم المادي والتقني في الغرب فراحوا ‏يطالبون بالحرية المطلقة أو بالحرية بمفهومها الغربي، فانهم يحاولون إلباس ‏الإسلام ثوبا آخر ليس من إنتاجه  ولا من مقاسه ، فالحرية المطلقة كذبة كبرى ‏لا يصدقها حتى الغرب نفسه ، وإلا كيف يُفسَّر منع الفتيات المسلمات من ‏ارتداء الحجاب في فرنسا أسوة بالراهبات !! ‏
أما ما يلقيه بعض المغرضين أو الجاهلين من لوم على الإسلام وما يحملّونه ‏إياه من مسئولية التخلف الذي تعيشه معظم أقطاره ، فالإسلام بريء منه لأن ‏ذلك التخلف كان نتيجةً لإضاعة روح الإسلام وتعاليمه لا نتيجةً لتطبيقه ،  ( ‏فليس الإسلام ولا تعاليمه السبب المفضي بآسيا الغربية إلى هذه الحالة المشهودة ‏من التضعضع واختلال الشؤون، ولكن السبب كل السبب في ذلك إنما هو ‏استبداد أمراء المسلمين وحكامهم الذين التووا عن الصراط المستقيم.. وتنكبوا ‏عن طريق صاحب الرسالة ) (‏ ‏) ‏
بقي أن أقول إن رفض الحرية والديمقراطية الغربية لا يعني القبول بالاستبداد، ‏كما إنه لا يعني التخبط و غياب المشروع السياسي والاجتماعي الإسلامي الذي ‏بيّنا أسسه ومبادئه في هذا البحث . ‏

مصادر البحث ‏

•    القرآن الكريم ‏
‎ ‎‏2 - ابن منظور ، محمد بن مكرم الأفريقي المصري ( ت 711 هـ ) : لسان العرب ،( ‏الطبعة الأولى  ب .ت )  دار صادر - بيروت ، ج 13 ‏
‏3 - حميد الله ، محمد: الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة،( الطبعة السابعة ‏‏1422هـ 2001م )  دار النفائس، بيروت ، ‏

‏4 - كروسون ، أندريه : روسو .. حياته وفلسفته ، ترجمة نبيه صقر ، ( الطبعة الرابعة ‏‏1988 م ) منشورات عويدات ، بيروت – باريس ‏
‎ ‎
‏5 - ماكيفر .روبرت .م : تكوين الدولة ، ترجمة حسن صعب ،(الطبعة الثانية 1984 م ) ‏دار العلم للملايين ، بيروت  ‏
‏6- الشاطبي  ، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي (ت: 790هـ) : الموافقات ، ‏تحقيق : أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان ،( الطبعة الأولى 1997م )  دار ابن عفان ، ‏القاهرة ، ج 2 ‏
‏7- الحوالي  ، سفر بن عبد الرحمن : العلمانية نشأتها وتطوّرها ، ( ب.ت ) دار الهجرة ، ‏الرياض ‏

‏8 - الألباني ، محمد ناصر الدين ، صحيح الترغيب والترهيب ،( الطبعة الخامسة ب .ت )  ‏مكتبة المعارف – الرياض ،  ج 2 ‏
‏9- المناوي ، محمد عبد الرءوف ( ت 1031 هـ ) : التوقيف على مهمات التعاريف ، ‏تحقيق : د. محمد رضوان الداية ،( الطبعة الأولى 1410 هـ )   دار الفكر المعاصر - ‏بيروت ‏‎ ‎
‏10 – قطب ، سيد إبراهيم حسين الشاربي (ت 1385هـ) : في ظلال القرآن ، ( الطبعة ‏الشرعية 34 ، 2004 م ) دار الشروق ، القاهرة . ج 5 ‏
‏11 -  الزين ،  سميح عاطف :  الإسلام وأيدلوجية الإنسان، ( الطبعة الثانية ‏‎1987‎‏ ) بيروت ،  ‏دار الكتاب اللبناني ‏

‏12 - ستودارد ، لوثروب: حاضر العالم الإسلامي ، (‏‎1974‎م )  ترجمة: عجاج نويهض، ‏تعليق: شكيب أرسلان، بيروت ،  دار الفكر ، ج ‏‎4‎‏ ‏

عودة للجزء الأول


اذا لم تظهر لك التعليقات فأعد تحميل الصفحة (F5)

مواضيع أخرى للناشر

شقشقة ليست بعيدة عن أجواء عاشوراء وأنا تراب نعل أبي تراب

تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً ، أحين استصرختمونا والهِين ، فأصرخناكم موجفين ، سَللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ،
......المزيد

الانهيار الشيعي في العراق

اُسدل الستار على الشيعة كجماعة سياسية في العراق وانتهى دورهم كقوة محتملة فاعلة ومؤثرة في مسار السياسة الإقليمية والدولية بعدما
......المزيد

دولة القانون تدعو الحكومة الى تحمل مسؤوليتها في حماية ارواح المواطنين

تدعو كتلة دولة القانون وزارة الصحة والحكومة الى تحمل مسؤوليتها في حماية ارواح المواطنين من المرضى الراقدين في المستشفيات والتعامل
......المزيد

الشَر الأميركي يتطاير إلى كل مكان في العالم

الشيطان الرجيم الأكبر، أميركا الشريرَة التي تتطاير شرورها نحو كل مكان آمن على وجه هذه البسيطة،
......المزيد

المعلوماتية برهان الربوبية الاكبر الحلقة السادسة

سلسة حلقات يعدها ويقدمها الدكتور عمرو شريف عشر حلقات كل حلقة عشر دقائق
......المزيد

معلومات تكشف لأول مرة

سمعت من السيد عادل عبد المهدي باجتماع موسع مع المحافظين كنت حاضرا فيه اذكر منه الحوار الاتي
......المزيد

المعلوماتية برهان الربوبية الاكبر الحلقة الخامسة

سلسة حلقات يعدها ويقدمها الدكتور عمرو شريف عشر حلقات كل حلقة عشر دقائق
......المزيد

المعلوماتية برهان الربوبية الاكبر الحلقة الرابعة

سلسة حلقات يعدها ويقدمها الدكتور عمرو شريف عشر حلقات كل حلقة عشر دقائق
......المزيد